عبد الجبار الرفاعي
78
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
ان الامر بأحدهما يكون مترتبا على عدم الامر بالآخر ، اي ان الامر بانقاذ زيد يكون مترتبا على عدم الاشتغال بانقاذ بكر ، والامر بانقاذ بكر يكون مترتبا على عدم الاشتغال بانقاذ زيد ، وهذا ما يعبر عنه بالامر الترتبي ، أو قل : ان أحد الامرين في طول الآخر ؛ لأنه إذا كان مشغولا بانقاذ أحدهما لا يجب عليه انقاذ الآخر ، هذا في صورة ما إذا كانا في رتبة واحدة . اما لو كان أحد الامرين متقدما برتبته على الآخر ، كما لو كان أحدهما أهم من الآخر ، ومثال ذلك : ما لو دخل شخص وقت الظهر إلى المسجد وكانت فيه نجاسة فان وقت الصلاة يكون موسعا ، بينما إزالة النجاسة عن المسجد وجوبها فوري ، والوجوب الفوري أهم من الوجوب الموسع ( الأهم هو إزالة النجاسة من المسجد ، والمهم هو الاتيان بالصلاة ) . وفي هذه الحالة يكون وجوب المهم مقيدا بعدم الاتيان بالأهم ، فيقال له هكذا : ( صلّ إذا لم تكن مشغولا بالإزالة ) ، بينما وجوب الأهم غير مقيد بعدم الاتيان بالأقل أهمية ( المهم ) ، اي يقال له : ( أزل مطلقا ، سواء كنت مشغولا بالصلاة أو لم تكن مشغولا بالصلاة ) . وهذا ما يعبر عنه بالتزاحم ، ومن المعلوم ان التزاحم غير التعارض ؛ لأن التعارض هو التنافي في المدلول ، بينما التزاحم هو التنافي في مقام الامتثال ، وفي حالات التزاحم يقدّم الأهم على الأقل أهمية ( المهم ) . لقد ظلت حالات التزاحم من المسائل التي لم يهتد القدماء إلى حل مناسب لها حتى تبلورت فكرة الترتب في البحث الأصولي فيما بعد . فقد ذهب القدماء في مثل هذه الحالة ، ( لو دار الامر بين الصلاة والإزالة ) ، إلى أن المكلف يكون مأمورا بالإزالة فقط ، وبالتالي لا يكون مأمورا بالصلاة ، فلو فرضنا ان المكلف